هل تنقذ ٥ أشخاص مقابل شخص واحد أم تترك الخمسة يموتون؟

هل تنقذ ٥ أشخاص مقابل شخص واحد أم تترك الخمسة يموتون؟
شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

قطار خارج عن السيطرة متجه نحو خمس أشخاص عالقين على السكة. أنت لديك الخيار أن تغير مسار القطار وتنقذ  الأشخاص الخمس
(The trolley dilemma)

السيناريو الأول:

تستطيع أن تغير مسار القطار نحو مسار جديد لكن يوجد على المسار الجديد شخص واحد عالق على السكة. هل تنقذ ٥ أشخاص مقابل شخص واحد أم تترك الخمسة يموتون؟

السناريو الثاني:

لا يمكنك تغير مسار القطار، لكن يمكن رمي شخص بدين على سكة القطار مما يؤدي لموت هذا الشخص وتوقف القطار قبل أن يصل إلى لأشخاص الخمسة. هل تنقذ الأشخاص الخمسة مقابل شخص واحد؟

السيناريو الثالث:

تستطيع تغيير مسار القطار لتنقذ الأشخاص الخمسة لكن المسار الجديد عليه شخص واحد من أفراد عائلتك المقربين (ابنك، أحد والديك، أخوك). هل تنقذ الأشخاص الخمس مقابل حياة أحد أقاربك


 

:هذا هو جوابي حول السؤال

السؤال يضع معضلة أخلاقية أمام القارئ وهي الاختيار بين انقاذ ٥ أشخاص أو شخص واحد. في هذه المرحلة قد يكون الجواب ليس بهذه الصعوبة فحياة ٥ أشخاص أغلى من شخص واحد. لكن عندما نضيف متغير جديد للمعضلة وهو وجوب دفع شخص “بدين” على السكة لإنقاذ الأشخاص الخمسة نجد أن الحل يصبح أكثر تعقيداً مع أن النتيجة هي نفسها “انقاذ خمس أشخاص مقابل شخص واحد”. سبب هذا التعقيد يعود لمبدئ “قرار أذية الآخرين”.

في المثال الأول نجد أن مقتل الشخص الوحيد هو نتيجة لقرار انقاذ الأشخاص الخمس والضرر الحاصل للشخص الوحيد ليس لم يكن نتيجة نية مسبقة بالأذية وإنما نتيجة سيئة لسيناريو كان من الممكن أن يكون أسواء. بالنسبة لدفع الشخص البدين على السكة فهذا يتطلب اتخاذ قرار بأذية شخص مقابل انقاذ الآخرين وهنا يوجد فرق أخلاقي “نية الأذى”
إذاً الفرق بين السيناريو الأول والثاني هو وجود “نية الأذى للآخرين”.

في السيناريو الثالث يتم العودة للسيناريو الأول لكن مع متغير جديد وهو تهديد استثمارك الجيني بشكل يهددك بشكل مباشر.

عملية التقييم الأخلاقية بشكل عام قائمة على مبدأ أساسي وهو التعاطف الجيني. نحن نتعاطف مع الأحياء لأننا أيضاً أحياء وكلما اقتربت هذه الأحياء مننا جينياً كلما زاد تعاطفنا معها.

 

من أهم شروط البقاء هو إيجاد الطعام والموارد وألا يتحول الكائن إلى طعام. لذلك تعتبر آلية تحديد المحيط واستراتيجية التعامل مع الجوار وظيفة أساسية في البقاء. في حال استطاع الكائن تحديد الكائنات التي تريد افتراسه، يبقى عليه تحديد الشريك المناسب لإنجاز عملية التكاثر بشكل ناجح.

الجينات طورت الأجساد بطريقة تمكنها من التعرف على بعضها البعض وأيضاً طورت آليات لتحديد ما مدى التقارب الجيني فيما بينها. لكلٍ من دودة الأرض والنملة والسمكة والبكتيريا والعصفور والدلفين والإنسان والنباتات طرائق وآليات مختلفة في تحديد التقارب الجيني فيما بينها. مثلاً النملة تتعرف على بقية أفراد مملكتها عن طريق رمز كيمياوي فقط تستطيع أعضاء المملكة افرازه وكل كائن لا يفرز هذا الرمز الكيمياوي يتم التعامل معه على أساس كائن غريب عن المملكة. النباتات تميز بعضها عبر افرازات واشارات كيماوية ترسلها في التربة عن طريق الجذور. إذا وجَدت النبتة أن النبتة المجاورة لها تقربُها جينياً تقوم النبتة بتغيير آلية انتشار جذورها وتسمح للنبتة الأخرى بالتمدد في التربة.

الترابط الأسري:
السبب الوحيد المباشر لوجودي اليوم وقدرتي على الكتابة الأن تعود لبرمجة جيناتي على التكاثر. ضمن هذه البرمجة أنا أعمل كل ما بوسعي للعمل على نشر حمضي النووي إلى الجيل القادم لكن هذه العملية لا تقتصر على التكاثر الجنسي بشكل حصري. أنا أساهم بنشر جيناتي عبر مساعدة أخي أن ينشر جيناته، أساعد في نشر جيناتي عبر مساعدة أولاد عمي وأساهم في نشر جيناتي عبر العناية بأحفادي وجميع أفراد أسرتي. جيناتي هذه يوجد منها نسخ منتشرة بين أفراد عائلتي بشكل خاص ولكن بين النوع البشري بشكل عام.

صحيح أنني أمثل ١٠٠٪ من جيناتي، إلا أن بقية أفراد عائلتي أيضاً يشكلون نسبة كبيرة من هذه الجينات. فمثلاً أخي يمثل ٥٠٪ من جيناتي تقريباً ومساعدته في نشر جيناته لا يقل أهمية عن مساعدة أبنائي الذين هم أيضاً لديهم ٥٠٪ من نفس جيناتي. كل ما ابتعدنا بالقرابة كل ما قلّتْ نسبة التطابق الجيني لكنها تبقى نسبة لا بأس بها. لذلك نجد أن الترابط العائلي هو ترابط غريزي يعمل فيه كل فرد في المساهمة على نشر جيناته عبر مساعدة أقربائه. هذا يعني أنه عندما يساعدك أخوك هو يقوم بذلك ليساهم في نشر جيناته هو وأنت عندما تساعد أولاد عمك تساهم في نشر جيناتك.

على فرض أنك شخص لون بشرتك أسود. ولنفترض وجود شخصان متعلقان على حافة جبل. الشخص (أ) لون بشرته أسود والشخص (ب) لون بشرته أبيض. الشخصين سيقعان خلال ثانيتين وعليك مساعدة أحدهما بشكل مباشر. أنت ستساعد الشخص (أ) الأسود لأنه أقرب جينياً لك. نعم نحن نتعاطف بشكل تلقائي مع من يبدو أنه أقرب جينياً لنا وذلك لأن جيناتنا لديها فرصة أكبر بالانتشار حين نتعاطف مع من هم أقرب لنا جينياً.

جميع الأحياء تتميز بخاصية التعاطف الجيني وتتجسد حالة التعاطف هذه من خلال استراتيجيات الكائن في البقاء. النقطة التي أردت أن يستخلصها القارئ هي أننا على الرغم من شعورنا بالتعاطف مع الآخرين وبالرغم من أن أفعالنا التي قد تبدو وكأنها أفعال فيها اخلاص و تضحية اتجاه الآخرين إلا أننا في الواقع نقوم بهذه الأفعال و نتعاطف فيما بيننا لهدف مشترك و هو نشر جيناتنا قدر المستطاع. التعاطف هي وسيلة أخرى للتكاثر ولكنها أشمل وتنتشر بين جميع الأحياء بشكل غريزي في سبيل استمرار الحياة. نعم جميع الأحياء لديهم هدف مشترك باستدامة هذه الظاهرة الحيوية.

بالعودة للسؤال الأصلي فنحن في الواقع نجد أن إنقاذ ٥ اشخاص أربح اقتصادياً من الناحية الجينية مقابل انقاذ شخص واحد. لكن وجود متغير “نية الأذى للآخرين” يجعل من عملية المقايضة الجينية أصعب إذ أننا في السابق لم نكن مسؤولين بشكل مباشر على القضاء على جينات الشخص الوحيد لأن موته سيكون نتيجة لوضع سيء كان ممكن أن يكون أسواء. عندما نضع متغير جديد وهو وجود أحد أفراد العائلة ضمن الطرح فإن عملية المقايضة الجينية تصبح واضحة وسهلة جداً وبالتالي لا يجد أي منا صعوبة أخلاقية باتخاذ قرار انقاذ أحد أفراد عائلته مقابل عدد من الأشخاص الآخرين وحتى إن كانت “نية الأذى للآخرين” ضمن ألية صنع القرار.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً