مهن غادرت مساحات الزمن

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ان البحث في ثنايا الأزمان والدهور للوصول الى مكامن الدرر التراثية هو هاجس كل مهتم بالتراث واثر الاجداد واليوم وخلال تقصي حوادث التاريخ فيما يخص المهن والحرف اليدوية نجد ان هناك العديد من المهن المتفرقة قد غادرت محلاتها واروقتها الثابتة والمتنقلة الى غير رجعة فمنها ما قد عفا عنها الزمن وذلك لانتفاء الحاجة لها ومنها ما اصبحت غير مجدية وفي كل الاحول يعزى السبب الى التطور والحداثة وما حصل من تطور علمي جعل من تلك المهن تكون قديمة حيث ان اهل النجف في السابق كانوا يجتهدون في العمل وتحقيق الكسب والزرق فكانوا ينبذون الاتكال على الغير حيث لا يستعلى احد على عمل اليد لذلك نالوا نجاحا واسعا في اغلب المهن التي عملوا واشتهروا بها وسوف نستعرض هنا وعلى عجاله بعض المهن السابقة التي غادرت محطاتها وممكن ان يكون في قادم الاعداد من المجلة توسعة في بعض المهن اذا استجدت معلومات او مذكرات تخص الموضوع.

فمن المهن المنقرضة هي (نقار الرحى) فكان في السابق هناك مهنة نقر الرحى، فكما يعلم الجميع كانت الحبوب تطحن في البيوت بواسطة (الرحى) وهي عبارة عن حجرين دائريين يركب الواحد فوق الآخر، مع لحاظ ان الحجر الاسفل يكون اكبر قليلا واسمك أما الحجر العلوي فيكون أقل سمكا ولا يشترط بكونه من الحجر فقد يكون من المعدن، وتتوسط الحجرين فتحة تمرر من خلالها قضيب من الخشب، يمثل محورا لدوران (الرحى) اثناء العمل من خلال تحريك الحجر العلوي دائريا من خلال مقبض، واثناء الحركة الدورانية والضغط تطحن الحبوب ليخرج الطحين من الجوانب.. وبمرور الزمن والاستعمال تختفي خشونة الحجرين المفيد لعملية الطحن وتصبح ملساء، فيعمد إلى تخشين سطحي الحجرين المتقابلين بواسطة المطرقة والازميل(سنبة) هي وهي آلة من الفولاذ مقسى أحد طرفيها تستعمل لنقر الحجر، اندثرت هذه المهنة لعدم استعمال الرحى وتوفر المطاحن الحديثة التي تعمل ميكانيكيا، وفي الاستعمال المنزلي توفرت الطواحين الكهربائية بكثرة فصارت مهنة (نقار الرحى) من الماضي وقد غادرها الممتهنين لها لعدم جدواها في الوقت الحاضر.

ومن المهن الاخرى التي اصبحت من الماضي هي (خياطة الفرفوري) وهي مهنة تصليح الاواني الزجاجية المفخورة مثل الاواني والمواعين والقوري وخصوصا المهم منها والذي يكون كسره بالامكان اصلاحه فمثلا ابريق الشاي (القوري) عندما يكسر من جهة مقبضه او غطائه، يعمل خياط الفرفوري على إصلاحه، بما يمتلك من مواد خاصة، فبواسطة مبرد ناعم جدا يقوم بتثقيب القطعتين المكسورتين ثم ربطهمها بسلك معدني بقوه ثم يضع مادة رابطة شديدة التماسك والتصلب تمنع النضوح اذا ما ملئت بالسوائل، وكان اغلب اصحاب المقاهي يستعينون بـ(خياط الفرفوري) لحماية اباريق الشاي الخزفية غالية الثمن، اذ يقوم هذا الخياط بتحزيمه بأشرطة معدنية تفاديا لكسره بالحرارة المستمرة وغالبا ما يكون هذا العمل بشكل هندسي جميل، وهذه المهنة ايضا غابت بسبب الثورة الصناعية الهائلة لانتاج الخزف وبأسعار زهيدة تقريبا.

 


ومن المهن الأخرى ايضا (حداد السكاكين) حيث كان هذا الحرفي يتنقل بواسطة عربة صغيرة فيها دولاب يدار بواسطة القدم وبداية كان هناك حزام (قايش) هو الذي يشحذ السكاكين ثم تحول الى حجر يدار باليد والحجر هذا خاص لشحذ السكاكين، وهذه المهنة ايضا غادرت شوارع المدينة وذلك لتوفير السكاكين بكثرة ورخص اثمانها بالنسبة لعملية الحد كما تتوفر محلات خاصة لحد الشفرات والمناشير وبطرق حديثة.

 

ومن المهن التي انقرضت ايضا (مبيض القدور) حيث كان في السابق اغلب أواني الطبخ من النحاس وكانت تسود من الاستعمال حيث كان الناس يطبخون بالحطب ونتيجة لهذه الترسبات المختلفة وبمرور الزمن يتحول القدر الى اللون الاسود وله مضار صحية كثيرة على الطعام فيضطر الناس الى تبيضه وكان صاحب مهنة تبيض القدور يستعمل مواد كيمياوية خاصة تسمى (شناذرة) وهي غالبا مادة القصدير الكيمياوية التي تتفاعل مع الترسبات وتقوم بازالتها.. أما اليوم فتحولت أواني الطبخ الى مادة الالمنيوم (الفافون) ثم (الأستيل) ثم (الستل ستيل) وهي خاصة بالطعام ولا تصدأ ابدا وكما ظهرت قدور السيراميك وقدور الكرانيت وغيرها مما جعل من هذه المهنة تضمحل وتغادر ساحاتها الا بعض الاماكن النادرة جدا.
وهناك مهن اخرى ذهبت طي النسيان ولم يبق منها سوى الذكر الفلكوري مثل المصور الشمسي وبائع الفرارات الهوائية والطيارات الورقية للأطفال وغيرها.
وان شاء الله سنستعرض بعض المهن الفلكلورية بشيء من التفصيل في الاعداد القادمة لبعض المهنيين من الرعيل الاول الذين قدموا للمجتمع النجفي خدمات جليلة في العمل والتعامل هو الثقة والامان وصدق الكلمة وحسن المعاملة والذي يمثل جزء من ماضي النجف الجميل.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً