ما هو الخليج العربي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

 

 

الخليج العربي هو أحد ذراعي المحيط الهندي، ويمثل البحر الأحمر الذراع الآخر.

ويمتد الخليج العربي من مصب شط العرب في الشمال الغربي إلى مضيق هرموز في الجنوب الشرقي. ويغطي مساحة تبلغ حوالي 90.000 ميل مربع ويبلغ طول الخليج العربي حوالي 500 ميل بحري وعرضه الأقصى حوالي 180 ميلا بحريا وتعتبر مياهه ضحلة فلم يتعد عمقه 300 قدم. ويتصل الخليج العربي بخليج عمان عن طريق مضيق هرموز، ويتصل بدوره بالمحيط الهندي ويبلغ عرض مضيق هرموز حوالي 20 ميلا بحريا. ويحيط بالخليج العربي عدد كبير من الدول الشاطئية وتقوم إيران حاليا ببسط نفوذها على الساحل الشرقي للخليج برمته (635 ميلا بحريا). وتتقاسم الدول العربية الساحل الغربي للخليج حسب المقاييس الساحلية التالية: العراق، 10 أميال بحرية، الكويت 115 ميلا بحريا، المملكة العربية السعودية، حوالي 340 ميلا بحريا، والبحرين 68 ميلا بحريا، قطر، 204 ميل بحري، الإمارات العربية المتحدة 420 ميلا بحريا وتقع عمان على شبه جزيرة مسندم على الساحل الجنوبي لمضيق هرموز تحدها إيران من الشمال والشمال الشرقي.

وهناك اختلافات في السمات الفيزيوجرافية لساحلي الخليج العربي. وقد أدت هذه الاختلافات إلى خلق تفاعل بين مطالب دول المنطقة على النحو الذي سوف تتناوله هذه الدراسة فيما بعد. ومن ثم، يجدر بنا إيجاز سماته الفيزيوجرافية الرئيسية. يعد الخليج العربي بصورته الراهنة منخفضا ضحلا يبلغ طوله ما يقرب من 1000 كم شكلته الطبيعة في مواجهة سلسلة جبال زاجروس المرتفعة.

ويعتبر حوض الخليج العربي غير متناسق وذلك أن الجانب العربي أقل انحدارا من الجانب الإيراني، كما أن أكثر البحار عمقا تقع على مقربة من الشاطئ الإيراني…

وليس هناك حد فعلي للجرف القاري على أي من الجانبين، ورغم أن هناك في الجانب العربي انحدارا نسبيا ملحوظا يبلغ حوالي 20 كم.

ويتسبب انغمار ( جبل عمان ) في مضيق هرموز جهة الشمال في إعاقة مصب الخليج بدرجة بالغة، الأمر الذي يؤدي إلى تقييد دورة المياه، والحياة بالنسبة للحيوانات في الحوض برمته. ومن ثم فإن وجود هذه النسمة الطبوغرافية يؤثر على طابع المواد المترسبة في منطقة كبيرة للغاية

وهناك كما أشرنا آنفا، شيء مشترك بين البحر والخليج العربي. ذلك أن كليهما بحار ضيقة محاطة بالعديد من الدول الساحلية. وفضلا عن ذلك فإن لهما وضعا خاصا فيما يتعلق بالجرف القاري. فعلى حين نجد أن للبحر الأحمر جرف قاري ضيق للغاية، نجد أن الخليج العربي ليس له جرف قاري على الإطلاق. وقد أثرت هذه الحقائق على سياسة المملكة العربية السعودية في المجال البحري

 

خلفية تاريخية
يشكل الخليج العربي والبحر الأحمر ذراعي المحيط الهندي اللذين يصلاه بالبحر المتوسط. وهما يحتلان موقعا جغرافيا هاما للغاية بوصفهما حلقة الوصل بين ثلاث قارات هي آسيا وأفريقيا وأوروبا. ومن الناحية التاريخية، كان البحر الأحمر والخليج العربي يمثلان قنوات النشاط التجاري بين الشرق الأقصى والشرق الأوسط وأوروبا.

البحر الأحمر

ظل البحر الأحمر طيلة فترة طويلة من الزمان مسرحا هاما للتجارة والاتصالات بين نصف الكرة الشرقي والعالم الغربي. ومن ثم ليس غريبا أن نافست الدول البحرية بعضها البعض للسيطرة على المناطق الإستراتيجية في البحر الأحمر، لا سيما في أعقاب تدهور نفوذ الدول الشاطئية، أي النفوذ العربي الإسلامي.

وقد حاول البرتغاليون، إدراكا منهم لأهمية البحر الأحمر الاقتصادية- الإستراتيجية، أن يلتفوا حول الدول الإسلامية لحرمانها من مصدر هام لقوتها الاقتصادية. وتحقيقا للهدف، حاولوا إغلاق مدخل الخليج العربي والبحر الأحمر، وفي مطلع القرن السادس عشر، نجح البرتغاليون في إغلاق مضيق هرمز، ولكن نظرا لسوء تقديرهم لأهمية جزيرة سومطرة، فشلوا في احتلال عدن، وبناء عليه فشلوا في إغلاق باب المندب رغم أنهم أثاروا العراقيل في وجه تجارة المسلمين في خليج عدن والبحر الأحمر.

وقد أسفر ذلك عن تخفيض حجم التجارة المارة عن طريق البحر الأحمر، وبالتالي إصابة البلدان الشاطئية في البحر الأحمر بالركود ولم تتمكن الأخيرة قط من استعادة نفوذها البحري حتى أوائل النصف الثاني من القرن العشرين عندما بدأت تحقق استقلالها عن السيطرة الخارجية.

وقد أدت أهمية البحر الأحمر الإستراتيجية – الاقتصادية إلى قيام العثمانيين بالسيطرة على معظم بلدان البحر الأحمر في القرن السادس عشر. ثم حلت سلطة بلدان غرب أوروبا البحرية محل سلطة الدولة العثمانية المنهارة. وأدى التنافس بين فرنسا وبريطانيا في المحيط الهندي في القرن الثامن عشر إلى معرفتهما بأهمية البحر الأحمر الإستراتيجية. وحتى يمكن السيطرة على البحر الأحمر، قام الفرنسيون بغزو مصر في مطلع القرن الثامن عشر. كذلك قامت بريطانيا باحتلال عدن في عام 1839 لكي تتمكن من السيطرة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، أي باب المندب. وبالمثل قامت بريطانيا باحتلال مصر في عام 1881 في أعقاب فتح قناة السويس. وبذلك أصبحت تتحكم في مدخلي البحر الشمالي والجنوبي.

ولم يؤد هذا الوضع إلى إنهاء التنافس بين الدول من أجل السيطرة على هذا البحر الإستراتيجي. فتحقيقا لهذه الغاية قامت فرنسا باحتلال جيبوتي (الصومال الفرنسي) المواجهة لعدن على الساحل الأفريقي لباب المندب. كذلك خاضت إيطاليا الحرب، وتعرضت للهزيمة في الحرب العالمية الثانية، معركة للسيطرة على المناطق الإستراتيجية الواقعة حول البحر الأحمر وقد قامت باحتلال الصومال وأرتريا وسعت إلى كسب بعض النفوذ في موانئ اليمن الشمالية الواقعة على البحر الأحمر

وقد أسفر ظهور القومية العربية قبل الحرب العالمية الأولى عن استقلال العالم العربي عن الإمبراطورية العثمانية. بيد أنه عندما استقلت الدول العربية عن تركيا، تم تقسيمها جميعا (باستثناء الحجاز التي أصبحت جزءا من المملكة العربية السعودية ) بين فرنسا وإيطاليا وبريطانيا (التي كان لها نصيب الأسد). ولم يطرأ تغيير في وضع المناطق الإستراتيجية في البحر الأحمر.

وبعد الحرب العالمية الثانية، ونظرا لحدوث تطورين جوهرين، تدهور نفوذ وسيطرة دول ما قبل الحرب العالمية الثانية، ( إيطاليا وفرنسا وبريطانيا ) في الشرق الأوسط. السبب الأول لهذا التدهور هو التغير النوعي في نظام السياسات الدولية. وبمعنى آخر؛ أدت الحرب العالمية الثانية إلى تقليص القوى الخمسة المؤثرة في الساحة الدولية إلى قوتين جديدتين فقط ( الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ). وكان هذا الوضع وضعا حاسما بالنسبة للقوى الدولية القديمة ليس في الشرق الأوسط فحسب وإنما في العالم أجمع.

أما السبب الثاني لتدهور نفوذ بريطانيا وسائر الدول الكبرى في الشرق الأوسط فهو ازدهار القومية العربية التي كانت بمثابة عامل جوهري في اقتلاع جذور الاستعمار في الشرق الأوسط في الخمسينات والستينات. وبذلك عادت المناطق الإستراتيجية في البحر الأحمر إلى سلطة العرب.

ومما يؤسف له أن هذا الوضع الدرامي لم يتوقف عند ذلك الحد. إذ أن حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت تطورين جوهريين آخرين أحدثا حالة من عدم الاستقرار السياسي وصراعا لا نهاية له في الشرق الأوسط. أولهما هو ظهور القوتين العظميين ( الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ) وما لهما من مصالح متنافسة أساسا في الشرق الأوسط. وقد أوجز أحد الكتاب التطورات الجديدة التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية في الشرق الأوسط في الفقرة التالية:

أفادت أبرز ملامح أنماط ما بعد الإمبريالية التي ظهرت في منتصف الخمسينيات أن الشرق الأوسط سيصبح واحدا من أكبر المسارح غير الأوروبية للحرب الباردة بل وأكثرها خطورة في كثير من الوجوه. ذلك أن الولايات المتحدة بوصفها زعيمة للغرب. والاتحاد السوفيتي بوصفه منافسها الرئيسي ليس في الشرق الأوسط فحسب بل وفي العالم كله، سرعان ما تورطا، بوصفهما زعماء لجانبين متناحرين وبوصفها الدولتين اللتين من المحتمل أن تتحكما في المنازعات المحلية، سعيا إلى التأثير على هذه المنازعات لخدمة أغراضهما الدولية .

أما التطور الثاني فهو خلق الدولة الإسرائيلية في فلسطين دونما أي اعتبار لحقوق العرب الفلسطينيين. وقد أدى هذا الوضع إلى نشوب النزاع العربي الإسرائيلي الراهن.

لذلك فقد جعل هذان التطوران، بالإضافة إلى الاتجاهات الأيدولوجية، من منطقة البحر الأحمر ميدانا للنزاع.

 

 

 

 

الخليج العربي
كان الخليج العربي طريقا رئيسا للتجارة الدولية منذ فجر التاريخ وكان يقطن هذه المنطقة ويحكمها عدد من الشعوب المختلفة. وفي العصور القديمة، استخدم الأشوريون والبابليون والعرب (وجميعهم من الساميين) والفرس الخليج العربي كطريق للتجارة بين العراق وجنوب الجزيرة العربية.

وقد أدى ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي وانتشاره في مناطق مختلفة بما في ذلك العراق وفارس، إلى جعل الخليج قناة الاتصال الرئيسية بين أسواق الشرق الأقصى والشرق الأوسط والغرب. وقد سقطت الإمبراطورية الإسلامية العربية في القرن الخامس عشر وحلت محلها الإمبراطورية العثمانية التي استمرت حتى بداية القرن العشرين.

وفي مطلع القرن السادس عشر وقع المحيط الهندي والخليج العربي تحت نفوذ البرتغاليين الذين تحكموا في مضيق هرموز. وعندما أدرك العثمانيون أنهم لن يتمكنوا من القضاء على النفوذ البرتغالي في الخليج العربي، ركزوا جهودهم على تعزيز وضعهم في البحر الأحمر

وقد تحقق ظهور النفوذ البرتغالي في الخليج العربي عن نتائج هامة أثرت على مستقبل منطقة الخليج لعدة سنوات، وكان ذلك بداية الاستعمار الأوروبي للخليج الذي حرم الدول الساحلية من استقلالها ومن مواردها الاقتصادية الهامة للغاية وذلك عن طريق التحكم في تجارتها وفي نشاطها التجاري في الخليج وقد أعقب النفوذ البرتغالي الاستعمار البريطاني لدول غرب الخليج العربي ومضيق هرموز باستثناء المملكة العربية السعودية.

واستمر هذا النفوذ من أوائل القرن التاسع عشر حتى عام 1971، تاريخ حصول آخر دولة في الخليج العربي على استقلالها.

وفي الوقت نفسه اتسع نطاق المملكة العربية السعودية بحيث شمل معظم شبه الجزيرة العربية من الخليج العربي إلى البحر الأحمر مع التمتع بسواحل طويلة على المياهين، وقبل الحرب العالمية الثانية، كانت المملكة العربية السعودية والعراق هما الدولتان المستقلتان الوحيدتان من دول الخليج العربي، رغم أن القوات البريطانية كانت تحتل الأخيرة وقت الحرب.

إن اكتشاف النفط والتطورات السريعة التي حدثت في مجال إنتاجه قد جعل بريطانيا تعزز من سيطرتها على المنطقة. غير أن نمو القومية العربية قد أرغم بريطانيا على الانسحاب من المنطقة في عام 1971.ومنذ ذلك التاريخ تحررت جميع الدول الشاطئية في الخليج العربي من الاستعمار، رغم أن نفوذ الدول العظمى لا يزال ماثلا في المنطقة.

 

 

 

 

 

العوامل التي ساهمت في التطور الذي حدث مؤخرا في السياسة البحرية للمملكة العربية السعودية
مقدمة
لقد أدت التطورات التكنولوجية السريعة التي يشهدها القرن العشرون إلى تغيير العلاقة التقليدية بين الإنسان والبحر. ولذلك فإن أهمية البحر لم تعد تقتصر على كونه وسيلة للصيد والانتقال فحسب، بل أيضا لموارده المعدنية الهائلة كالنفط والحديد والمنجنيز. وازدادت بدرجة سريعة استخدامات البحار لأغراض الاتصال والنقل وللأغراض ذات الأهمية الإستراتيجية. وبالإضافة إلى ذلك تزايدت احتمالات الخطر على الدول الساحلية تزايدا كبيرا. ونتيجة لهذا لم تعد المبادئ القانونية البحرية التقليدية كافية لتنظيم مطالب السيادة الجديدة للدول على البحار للأغراض الاقتصادية والأمنية.

ويؤدي هذا الوضع إلى إثارة الحاجة الملحة إلى مبادئ قانونية بحرية تكون أكثر استجابة لتنظيم القضايا البحرية الدولية الجديدة.

ويعتبر البحر الأحمر والخليج العربي، وهما ضيقان نسبيا ومجاوران لكثير من الدول الشاطئية، من أهم البحار من حيث أهميتهما الاقتصادية والإستراتيجية. ونظرا لوقوع المملكة العربية السعودية بين هذين البحرين وملكيتها لحوالي 1500 ميل من شواطئهما، فقد أتبعت سياسة جديدة للحفاظ على مصالحها البحرية في هذين البحرين. ويرمي هذا الفصل إلى تحليل أهم العوامل التي تسهم في التطورات التي طرأت مؤخرا على سياسة المملكة العربية السعودية البحرية. وتتمثل هذه العوامل في المصالح الاقتصادية والأمنية والتطورات الجديدة في المبادئ القانونية البحرية.

 

 

 

المصالح الاقتصادية
بالإضافة إلى الأهمية الإستراتيجية والملاحية للبحر الأحمر والخليج العربي، فإنهما على درجة كبيرة من الأهمية من الناحية الاقتصادية. ذلك أن اكتشاف رواسب معدنية ثقيلة في البحر الأحمر مؤخرا، وإنتاج النفط بكميات هائلة في الخليج العربي منذ عام 1940، إنما هي مؤشرات بالغة الأهمية لإمكاناتهما الاقتصادية. وقد لعبت هذه الإمكانات الاقتصادية كما سنرى بالتفصيل في الفصول التالية، دورا هاما في تحديد سياسة المملكة العربية السعودية البحرية في البحر الأحمر والخليج العربي.

 

 

البحر الأحمر
إن أهمية البحر الأحمر في مجال الملاحة ترجع إلى حوالي 3500 سنة. ومما استرعى الانتباه إليه، ذلك التطور الحديث نسبيا وهو اكتشاف الأهمية الاقتصادية للبحر الأحمر.

ورغم أن أنشطة البحث العلمي في البحر قد بدأت في أوائل القرن العشرين، فإن البحوث الطويلة الأجل قد أسفرت عن اكتشاف رواسبه المعدنية الثقيلة في الستينات.

وقد أوجز ثلاثة من خبراء الأوقيانوغرافيا التابعين لـ “وودزهول” تطور البحوث العلمية على النحو التالي:

ربما تكون سفن البحث الأوقيانوغرافي قد عبرت البحر الأحمر مائة مرة على الأقل خلال الفترة الممتدة بين فتح القناة في عام 1869 وإغلاقها في عام 1967.وكانت بعض هذه السفن تتوقف لفترات قصيرة تقوم خلالها بإجراء المقاييس وجمع عينات من المياه أو من الرواسب الموجودة في القاع. وقد استطاع عدد قليل من السفن التوصل إلى ملاحظات والحصول على عينات من أعماق بعيدة، ومن ثم فقد حصلت السفينة “الباتروس” في عام 1948 على أول مؤشر لدرجات حرارة المياه التي تفوق الدرجات العادية، كما توصلت السفينة “أتلانتيس” في عام 1959 إلى قياس درجة الملوحة الأعلى بكثير من الدرجة العادية. وفيما بين عامي 1963، 1967 قامت “أتلانتيس2″، “ديسكوفري”، “ميتيور”، “أوشينوجرفر” بثماني زيارات لواحدة أو أكثر من مناطق المياه المالحة الساخنة، وقامت بجمع معلومات عن الحرارة التي بلغت حوالي 56 درجة مئوية. والملوحة (التي بلغت ما يعادل حوالي سبعة أمثال ونصف ملوحة مياه البحر العادية)، وتصوير السطح البيني للمياه المالحة عن طريق مقياس العمق الصوتي، ووجود عدد من الأحواض المنفصلة التي تحتوي على هذه المياه غير العادية. وخلال شهري أكتوبر / تشرين الأول، نوفمبر / تشرين الثاني عام 1966، قامت “تشين”، بتمويل من مؤسسة العلوم الوطنية، بأول رحلة ترمي إلى استقصاء السمات الخاصة للمياه المالحة الساخنة وما تحويه من رواسب

وقد أثبتت الدراسة بوجه عام أن للبحر الأحمر سمات خاصة (درجات حرارة وملوحة مرتفعة) تميزه عن سائر البحار.

وقد تركزت الاستقصاءات التي قامت بها السفينة “تشين” على منطقة المياه المالحة الساخنة والرواسب المعدنية المحيطة بالجزء الأوسط من البحر الأحمر. واستهدفت الدراسة التمييز بين ثلاثة أحواض تحتوي على مياه مالحة ساخنة: الأول وهو أكبرهم يسمى حوض “أتلانتيس 2”. ويقع عند خط عرض 32، 21 شمالا، وخط طول 04.38 شرقا ويبلغ أقصى عمقه، 2170 متر. وإلى الجنوب من “أتلانتيس 2” يقع حوض “تشين” الذي يفصله عن الحوض الأول مسافة 2009 أمتار. وهذا الحوض هو أصغر الأحواض ويبلغ أقصى عمقه 2066 مترا. أما الحوض الثالث فهو “ديسكوفري” ويقع إلى الغرب من “تشين” ويفصله عنه مسافة 1908 أمتار ويبلغ أقصى عمقه 2220 مترا.

وفي عام 1967 قامت سفينة بحوث السواحل والجيوديسيا الأمريكية باكتشاف حوض رابع يسمى “أوشينوجرافيك”. ويقع هذا الحوض على بعد 340 ميلا شمالي “أتلانتيس 2” وحوالي 105 أميال جنوبي مضيق تيران عند مدخل خليج العقبة. وقد اكتشف على عمق 4800 قدم. ويحتوي هذا الحوض على معادن مماثلة لتلك الموجودة في الأحواض الثلاثة الأخرى. ومن ثم فمن المعتقد أن هناك ارتباطا بينه وبين الأحواض الأخرى

ويعتبر “أتلانتيس 2” أكبر هذه الأحواض الأربعة وأغناها، وقد أثبتت دراسة هذا الحوض أنه يحتوي على معادن مثل النحاس والزنك والذهب والفضة بكميات كبيرة. وفيما يلي تقدير كمية المعادن الرئيسية النفيسة الموجودة في هذا الحوض: النحاس، 3.1 %، الزنك، 4.3 %، الفضة، 0054.00%، الذهب، 0005.0 % الرصاص، 1.00 %، والحديد 029 % وعلاوة على ذلك، أوضح البحث المقدم من ” أمري “، ” هانت “، ” هيز ” أن:

المعادن الاقتصادية الموجودة في “أتلانتيس 2” أكثر تركيزا منها في أي مستودع آخر كبير للرواسب البحرية، ويبلغ حجم الطبقة العليا من الرواسب التي أمكن الكشف عنها وسمكها عشرة أمتار حوالي 83 مليون طن على أساس خلو المياه من الملوحة الشديدة. وقد وجد أن كل الرواسب تقريبا معدنية. أما الطبقة التي تقع أسفل الطبقة الأولى، فقد وجد أن بها كميات إضافية تدر كثافة إجمالية غير معروفة بما يتراوح بين 20 و 100 متر

وتتراوح تقديرات القيمة الأولية لحوض “أتلانتيس 2″ بين 2.5 و25 بليون دولار. فعلى سبيل المثال التقدير الوارد في مقال ” أمري “، هانت “، ” هيز ” هو 2.5 بليون دولار، وهناك أرقام ورد ذكرها في مقالات أخرى هي 8 بليون دولار و25 بليون دولار وعلى أية حال فإن هناك اتفاقا في الرأي بين الدارسين في مجال الأوقيانوغرافيا على أن البحر الأحمر يشتمل على كميات كبيرة جدا من المعادن. وفضلا عن ذلك فإنه طبقا لما أوردته اللجنة السعودية السودانية المشتركة للبحر الأحمر، أوضحت الدراسة التي أجريت في البحر الأحمر عام 1970 اكتشاف 18 منطقة عميقة (بما في ذلك الأحواض الأربعة المذكورة آنفا) في منتصف البحر الأحمر عند نقطة متوسطة بين المملكة العربية السعودية والسودان. وقد تأكد أخيرا أن هذه المناطق الثمانية عشرة تشتمل على الزنك والنحاس الأصفر والفضة والكادميوم والمنجنيز والحديد والرصاص وبعض المعادن الأخرى

وفي أعقاب اكتشاف المعادن في البحر الأحمر، تقدمت شركة أمريكية للموارد البحرية (في عام 1968) بطلب إلى الأمم المتحدة للقيام بعملية كشف عن المعادن فقط في مساحة 38.5 ميل مربع في وسط البحر الأحمر. وقد زعمت الشركة أن هذه المنطقة لم تطالب أية دولة بالسيادة عليها. ولكي تتمكن من تحديد الأهمية الاقتصادية للمعادن، طلبت الشركة الحصول على موافقة الأمم المتحدة على أخذ عينات وعمل خرائط للرواسب المعدنية على مدى فترة ثلاث سنوات. غير أنها لم تحصل على هذه الموافقة. وتدعى الأمم المتحدة أنها لا تملك سلطة منح حقوق للبحث عن المعادن في قاع البحر الأحمر

وتقدمت شركة أخرى بطلب إلى الحكومة السودانية للحصول على حقوق الاستغلال على أساس أن منطقة المياه المالحة الساخنة تقع بالقرب من الساحل السوداني. كذلك قامت الشركة ثالثة مندمجة مع شركة “لايختنشتاين” بالمطالبة بأحقيتها في بعض المناطق في وسط البحر الأحمر على افتراض أن مناطق البحار العميقة هذه لا تملكها أية دولة

وقد أدت هذه الأطماع الخارجية إلى يقظة المملكة العربية السعودية. لذلك أصدرت حكومة المملكة العربية السعودية مرسوما ملكيا في سبتمبر / أيلول 1968 بعنوان “قانون ملكية موارد البحر الأحمر ” وستجري دراسة هذا المرسوم بتعمق في الفرع الخاص بالجرف القاري في الفصل التالي. وقد دعت المملكة العربية السعودية مصر وأثيوبيا والسودان واليمن الشمالية لمناقشة موضوع استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية في البحر الأحمر. واجتمعت دول البحر الأحمر الساحلية الست في جدة في عام 1972، ولكن نظرا للمشاكل السياسية فإن نتائج ذلك الاجتماع لم تكن مشجعة. وعلى ذلك تجاهلت المملكة العربية السعودية، في الوقت الراهن على الأقل، الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق جماعي عن طريق دول البحر الأحمر الساحلية جميعها. وبدلا من ذلك ناقشت هذا الموضوع بصفة ثنائية مع السودان وتوصلتا أخيرا إلى اتفاق بشأن استكشاف الموارد الطبيعية في البحر الأحمر واستغلالها

وبالإضافة إلى هذه الموارد الطبيعية الموجودة في المياه العميقة هناك موارد اقتصادية أخرى في البحر الأحمر. إذ أن هناك إمكانية العثور على النفط في البحر الإقليمي بطول ساحل البحر الأحمر. وينتج خليج السويس حوالي 80 % من إنتاج مصر من النفط الخام ومن ناحية أخرى، تقوم شركة اكتشاف النفط تينيكو (من تنيسي) الأمريكية بعمليات الاستكشاف في مناطق بحريه على طول ساحل المملكة العربية السعودية في البحر الأحمر بموجب اتفاق مع المملكة العربية السعودية وتحتوي هذه المنطقة الساحلية أيضا على المعادن ذات الأهمية الاقتصادية. وهناك في الجانب السعودي من البحر الأحمر أنواع كثيرة من المعادن كالحديد والذهب والفضة والنحاس الأصفر والقصدير والباريت

ونظرا لارتفاع درجة حرارة مياه البحر الأحمر (60 على عمق 220 مترا) بالإضافة إلى وجود معادن ضارة بالحيوانات كالزنك والفضة والقصدير، فإنه لا توجد هناك على عمق يزيد على 200 متر، أية كائنات حية. وبناء على ذلك يعتبر البحر الأحمر فقيرا نسبيا في موارده السمكية. ومع ذلك فإنه ما يزال يحتوي على موارد سمكية بكميات تغطي احتياجات الدول الشاطئية

 

 

الخليج العربي
أضاف اكتشاف النفط في الخليج في مطلع القرن العشرين أهم صفحة في تاريخ الخليج. وقد ظهر هذا العنصر الاقتصادي في المنطقة لأول مرة في 28 مايو / آيار 1901 وهو تاريخ أول امتياز للتنقيب عن النفط في الشرق الأوسط وفي عام 1908 شرعت إيران في إنتاج النفط من حقل مسجد سليمان، وبطبيعة الحال قامت بتوسيع نطاق إنتاجها إلى المناطق الأخرى الواقعة على الساحل الإيراني للخليج العربي. وفي عام 1976، بلغ إنتاج إيران من النفط 9.5 مليون برميل يوميا وبلغ احتياطي النفط 63 بليون برميل. ومن جهة أخرى، بلغ إنتاج الساحل العربي في السنة نفسها 3.16 مليون برميل يوميا وبلغ الاحتياطي 256 بليون برميل

وقد تم اكتشاف النفط على الساحل العربي عندما بدأ إنتاج النفط العراقي في عام 1927، وأصبحت المملكة العربية السعودية ثاني أكبر دولة منتجة للنفط على الجانب العربي من الخليج، وأضيفت البحرين إلى القائمة في عام 1938، والكويت عام 1946، وقطر عام 1950، وأبو ظبي عام 1958، والشارقة وعمان في الستينيات

ونتيجة لذلك، بلغت أهمية الخليج العربي الاقتصادية ذروتها في السبعينيات وربما تظل كذلك لعدة حقب قادمة. فعلى سبيل المثال قامت دول الخليج الشاطئية في عام 1974 بتوفير 9.38 % من إنتاج العالم من النفط، كما أن حوالي 54 % من إجمالي احتياطيات العالم من النفط قد وجدت هناك

أين تقف المملكة العربية السعودية بالنسبة للتطورات الجديدة التي وقعت منذ بداية القرن العشرين في منطقة الخليج العربي؟ لقد انضمت المملكة العربية السعودية إلى مجموعة البلدان المنتجة للنفط عام 1938.وفي عام 1933 قامت حكومة المملكة العربية السعودية بمنح امتياز إلى شركة أمريكية هي “ستاندارد أويل كومباني أوف كاليفورنيا” لاستكشاف النفط في منطقة مساحتها 33000 ميل مربع في الجزء الشرقي من مقاطعة الأحساء الواقعة على الساحل السعودي من الخليج. وقد صدر مرسوم ملكي في 7 يوليو / تموز 1933 بالتصديق على الاتفاق الذي وقعه وزير مالية المملكة العربية السعودية وممثل الشركة الأمريكية. وفي عام 1944 أصبحت شركة النفط تحمل اسم الشركة العربية – الأمريكية للنفط (أرامكو)

وعلى الرغم من أن أرامكو هي أكبر شركة منتجة للنفط في المملكة العربية السعودية، فإنها ليست الشركة الوحيدة العاملة هناك. فالواقع أنه توجد شركتان أخريان للنفط تعملان في السعودية: جيتي أويل كومباني، شركة الزيت العربية التي يملكها اليابانيون. وقد أسند إلى الأولى امتياز في نصيب المملكة العربية السعودية غير المقسم من المنطقة المحايدة في عام 1949، وقد قامت في عام 1953 باكتشاف النفط هناك بالتعاون مع الشركة الأمريكية العاملة في نصيب الكويت من المنطقة المحايدة. أما الثانية فقد منحت عام 1958 امتياز لاستكشاف النفط في المنطقة المغمورة بالمياه داخل المنطقة المحايدة واكتشفت النفط هناك في عام 1960.وفي عام 1974 بلغ إنتاج المملكة العربية السعودية مع المنطقة المحايدة 000.270 برميل يوميا

وبحلول منتصف السبعينات كان هناك ثلاثون حقلا للنفط في المملكة العربية السعودية، منها 19 على الشاطئ، 8 في المنطقة المغمورة بالمياه، و 3 تمتد على الأرض والماء على السواء. وعلاوة على ذلك، كانت هناك سبعة حقول للنفط في المنطقة المحايدة الواقعة بين الكويت والمملكة العربية السعودية، وتقتسم السعودية إيراداتها مع الكويت ويسمى أكبر حقل للنفط في العالم يقع على الشاطئ “الغوار” ويبلغ طوله 150 ميلا وعرضه حوالي 22 ميلا ويعتبر حقل “السفانية” أكبر حقل للنفط في العالم يقع في المناطق المغمورة بالمياه ورغم أن للمملكة العربية السعودية حقول للنفط خارج منطقة الخليج العربي، فإن هذه المنطقة تنتج معظم نفط المملكة العربية السعودية.

وقد بدأ إنتاج المملكة العربية السعودية للنفط في عام 1938، ولكن نظرا للصعوبات في مجال النقل وما أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية من نقص في المواد فقد بدأ استكشاف حقول النفط وتطويرها بصورة بطيئة. وبعد الحرب العالمية الثانية، قفز إنتاج المملكة العربية السعودية من النفط من 20.000 برميل يوميا في المتوسط قبل نهاية الحرب إلى 000.50 برميل يوميا بحلول نهاية عام 1949.لقد ازداد إنتاج السعودية من النفط بدرجة سريعة حتى وصل إلى حوالي 10 ملايين برميل يوميا في النصف الثاني من عام 1979.فخلال فترة عشر سنوات على سبيل المثال، ازداد من 2.362.000 برميل يوميا في عام 1965 إلى 8.480.000 برميل يوميا في عام 1974.ومثل إنتاج عام 1974 – 15.2 % من إنتاج العالم من النفط

وفي نهاية عام 1974 قدر احتياطي السعودية من الزيت الخام بـ 181.2 بليون برميل. وكانت هذه الكمية تمثل في ذلك الحين 25 % من الزيت الخام في العالم

وتعتبر المملكة العربية السعودية ثالث أكبر دولة منتجة للنفط (بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ) وأكبر مصدر له. وقد استوردت البلدان غير الشيوعية حوالي 20 % من احتياجاتها من النفط من السعودية.

وتكاد المملكة العربية السعودية تحصل على دخلها القومي كله من إنتاجها من النفط. ففي عام 1975 كان النفط يشكل 70 % من الناتج القومي الإجمالي، 90 % من الصادرات، وحوالي 95 % من الإيرادات. وقد استهدفت خطة التنمية الخمسية الثانية (1975 – 1980) تنويع القاعدة الاقتصادية لغرض الحد من الاعتماد على النفط.

وبغض النظر عن الرواسب النفطية في الخليج العربي، تعتبر مصائد الأسماك هامة بالنسبة للدول الساحلية ليس فقط من أجل توفير الغذاء وإنما للأغراض التجارية أيضا رغم أن هذا الهدف الأخير ما زال مهملا في منطقة الخليج.

 

المصالح الأمنية
أغرت الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية للبحر الأحمر والخليج العربي على السواء على نحو ما بينا في القسم الخاص بالخلفية التاريخية – الدولة البحرية الكبرى بمحاولة السيطرة عليهما. وما أن هبط نفوذ الدول الاستعمارية التقليدية في هاتين المنطقتين خلال الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حتى حل محله النفوذ الإمبريالي للدولتين الكبيرتين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وشكل ظهور هاتين القوتين العظميين في البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي تهديدا مباشرا لاستقلال وأمن الدول الشاطئية. كما أن ظهور الدولة الإسرائيلية في فلسطين في عام 1948 أدى إلى النزاع العربي – الإسرائيلي. لذلك فإن هذا الوضع لم يكن يشكل تهديدا لأمن ومصالح الدول الشاطئية فحسب بل ولانسياب حركة المرور البحري لدول العالم عبر قناة السويس أيضا بما في ذلك شحن النفط من منطقة الخليج العربي إلى نصف الكرة الغربي. وبعد إعادة فتح قناة السويس في مايو / آيار 1957 أعيد إغلاقها مرة أخرى لمدة تسع سنوات تقريبا (1967 – 1976) نتيجة للحربين اللتين وقعتا بين العرب والإسرائيليين عامي 1967 – 1973 واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للساحل الشرقي لقناة السويس. كذلك احتلت إسرائيل مضيق تيران ومن ثم سيطرت على خليج العقبة.

وربما يتطور النزاع العربي – الإسرائيلي إلى نقطة يشكل معها تهديدا مباشرا لأمن المملكة العربية السعودية. ويقول اثنان من المختصين بدراسة سياسات الشرق الأوسط:

هناك اعتبار آخر ينبغي مراعاته وهو أن جدية وفورية التهديدات الخارجية للمملكة العربية السعودية إنما تتوقف جزئيا على وجود منازعات أخرى في المنطقة. وأبرز مثل على ذلك هو النزاع العربي – الإسرائيلي، فطالما استمر هذا النزاع كانت المملكة العربية السعودية عرضة لهجوم من جانب إسرائيل في حالة نشوب حرب عربية – إسرائيلية خامسة. وتركز معظم الحكومات العربية في المنطقة حاليا اهتماما على هذا النزاع وعلى احتمال توقيع اتفاق سلام مصري – إسرائيلي منفصل. وربما يؤدي التوصل إلى تسوية عامة للنزاع العربي – الإسرائيلي إلى القضاء على إسرائيل كقوة تمثل تهديدا خطيرا لأمن المملكة العربية السعودية

وقد أدى الانقسام الأيديولوجي الذي أوجد مجموعتين متعارضتين بين الدول الشاطئية للبحر الأحمر والخليج – المعتدلة والمتطرفة – إلى تقويض استقرار المنطقة.

والواقع أن التنافس الإستراتيجي بين القوتين الأيديولوجيتين العظيمتين قد أدى إلى إيجاد حالة من الانقسام ليس فقط بين بلدان الشرق الأوسط بل وبين دول العالم أيضا. وفي بعض الأحيان يؤدي هذا الانقسام إلى مواجهات مسلحة بين الدول المتجاورة، منها المواجهة المسلحة غير المباشرة في اليمن بين مصر والمملكة العربية السعودية في الفترة من 1962 إلى 1967.

وتعتبر منازعات الحدود بين الدول المتجاورة مصدرا هاما من مصادر التهديد لأمنها. وقد حدثت المواجهة المسلحة بين المملكة العربية السعودية واليمن الجنوبية في عام 1969 نتيجة مطالبة كل من البلدين بالسيادة على منطقة معينة ( الوديعة ). كذلك تعتبر الحرب التي نشبت في القرن الأفريقي مثلا آخر لهذا النوع من المواجهة رغم أن الاختلافات الأيديولوجية يمكن اعتبارها عاملا آخر من العوامل التي أدت إلى نشوب الحرب بين هذين البلدين. ومن ثم فإن مصدر المواجهة المسلحة في الشرق الأوسط يمكن إرجاعه إلى المنافسة الدائرة بين الدول الكبرى من أجل الحصول على موطئ قدم في الأماكن الإستراتيجية في العالم، وإلى الخلافات الأيديولوجية بين بلدان الشرق الأوسط، وإلى منازعات الحدود الدائرة بين البلدان المتجاورة.

وبغض النظر عن المواجهات المسلحة، فإن أهمية البحر الأحمر والخليج العربي الاقتصادية قد تشجع الكيانات التكنولوجية ذات المستوى العالي على الاستفادة من القصور التكنولوجي الذي تعانيه الدول الشاطئية ومن ثم تنتهك حقوقها في مواردها الطبيعية. وتعتبر المملكة العربية السعودية بلدا ناميا يقع في أهم المناطق الاقتصادية والإستراتيجية في الشرق الأوسط. وتواجه السعودية في أية لحظة احتمال التورط في مواجهة مسلحة مع واحدة أو أكثر من دول المنطقة نتيجة أحد العوامل الثلاثة المذكورة آنفا. لذلك أخذت السعودية تتحرك في ثلاثة اتجاهات حتى تتمكن من حماية مصالحها الأمنية.

1) تدعيم القوات المسلحة: في عام 1926 قامت المملكة العربية السعودية كدولة تحتل معظم شبه الجزيرة العربية. وتم بصورة بطيئة بناء الجيش النظامي في الثلاثينيات وقد حدث تطور فعلي في القوات المسلحة السعودية اعتبارا من عام 1960 وما تلاه من أعوام. وأدت الحرب الباردة التي شهدها العالم العربي إلى مواجهة بين الكتلتين: كتلة المعتدلين وكتلة المتطرفين، أو بعبارة أخرى بين الكتلتين، الموالية للغرب والموالية للشرق. وقد تصاعدت هذه المواجهة في الستينيات عندما أيدت المملكة العربية السعودية الملكية في اليمن وكادت تتعرض لمواجهة مسلحة مباشرة مع مصر التي كانت تؤيد الجمهوريين اليمنيين. وقد أدى هذا الوضع إلى قيام السلاح الجوي المصري (الذي كان يعسكر في اليمن الشمالية في ذلك الوقت) بقصف بعض مدن المملكة العربية السعودية الواقعة على الحدود المشتركة بينها وبين اليمن.

وكانت هذه الواقعة بمثابة تحذير للسعوديين أدت إلى قيام حكومة المملكة العربية السعودية باتخاذ قرار تطوير قواتها المسلحة. وتعتبر نفقات الدفاع السعودية في منتصف الستينيات انعكاسا لهذا القرار. فقد ازداد الإنفاق العسكري من 243 مليون ريال سعودي عام 1961 إلى 414 مليون ريال في 1963 إلى 925 مليون ريال في 1970، إلى 1138 مليون ريال في 1971.وبعبارة أخرى بلغت نسبة نفقات الدفاع في الميزانية الكلية 1.14 % في 1961 و 9.18% في 1965، وحوالي 3.21 % للفترة الممتدة بين 1970 – 1974

وقد خصصت هذه النفقات لتطوير ثلاثة فروع من القوات المسلحة السعودية – القوات البرية والجوية، والبحرية. وقد تم مؤخرا تطوير الفرع الأخير من أجل حماية الساحل السعودي المترامي على طول البحر الأحمر والخليج العربي على السواء. وقد أورد أحد الكتاب وصفا للبحرية السعودية على النحو التالي:

قام السعوديون بوضع مشروع لإقامة بناء على جانب كبير من الأهمية يشمل قاعدة بحرية على كل جانب من جانبي البلاد ومقرا كبيرا لقيادة القوات البحرية في الرياض.

وكانت القاعدتان متماثلتين تقريبا من حيث الحجم والتركيب، وتقع الأولى في جدة على البحر الأحمر. وتقع الثانية في الجبيل على الخليج الفارسي. وينبغي بحلول أوائل عام 1980 الانتهاء من إنشاء الموانئ والمرافق. ولن يتمكن السعوديون من استيعاب السفن التي يقومون بشرائها لسد الاحتياجات البحرية قبل منتصف الثمانينات أو ربما بعد ذلك.

وسوف تتكون معظم هذه السفن من قوارب للدورية مزودة بصواريخ. وربما تكون المشتريات الأخرى في صورة سفن غير مقاتلة .

2) الأنشطة الدبلوماسية على الصعيد الإقليمي: شهدت فترة السبعينيات دورا نشطا للمملكة العربية السعودية في مجال السعي من أجل وضع هيكل للأمن الإقليمي بالاشتراك مع الدول الشاطئية الأخرى في منطقتي البحر الأحمر والخليج العربي. إن إمكانيات المملكة العربية السعودية الاقتصادية تمكنها من أن تلعب دورا قياديا في الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن في المنطقة. وقد عقدت سلسلة من المؤتمرات كرست لموضوع أمن البحر الأحمر والخليج العربي. وكان أول مؤتمر من نوعه عقد في منطقة البحر الأحمر هو مؤتمر القمة الذي انعقد في جدة من 17 – 19 يوليو / تموز 1976 واشتركت فيه المملكة العربية السعودية ومصر والسودان، وكان الغرض منه بحث مشكلة الأمن التي تواجه مصر والسودان نتيجة للسياسات الليبية والسوفياتية. ونتيجة لذلك قامت مصر والسودان في يوليو / تموز من نفس العام بتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك. وفي 31 أكتوبر / تشرين الأول 1976 أعلن الرئيس نميري أن اجتماع جدة تناول مسألة أمن البحر الأحمر وأنه يتوقع أن تنضم دول البحر الأحمر الشاطئية الأخرى إلى مصر والسودان والسعودية في الوقت الملائم

وعقد اجتماع آخر للقمة في 31 أكتوبر / تشرين الأول عندما قام الملك خالد ملك المملكة العربية السعودية بزيارة للسودان. وقد جاء في بيان مشترك أن الملك خالد والرئيس نميري “أكدا استعدادهما للعمل من أجل تحقيق الأمن والسلام للبحر الأحمر وتحويله إلى بحيرة سلام لكل الشعوب التي تعيش على جانبيه وللإبقاء عليه بمنأى عن إسترتيجيات الدول العظمى ومنازعاتها” وفي 27 – 28 فبراير / شباط 1977 عقد رؤساء مصر وسوريا والسودان اجتماع قمة الخرطوم الذي نص بيانه المشترك على ما يلي:

يؤكد الرؤساء رغبتهم في أن يكون البحر الأحمر منطقة سلم وأن يظل بمنأى عن المنازعات والضغوط الدولية التي تعرض أمن المنطقة واستقرارها للخطر. كذلك يؤكدون رغبتهم في أن تقوم البلدان الثلاثة بوضع إستراتيجية موحدة في هذا الصدد ودعوة دول المنطقة الأخرى إلى المشاركة فيها

ونظرا للزيارة التي قام بها السادات للقدس وما كان لها من عواقب، فإن هذه الإستراتيجية لم تتبلور على الإطلاق.

وفي 22 – 23 مارس / آذار 1977، عقد اجتماع قمة آخر في تعز باليمن الشمالية.

وحضر هذا الاجتماع رؤساء دول اليمن الشمالية والسودان والصومال واليمن الجنوبية.

(ورفضت أثيوبيا الدعوة التي وجهت إليها لحضور الاجتماع) وكان الغرض من هذا الاجتماع بحث المسائل الخاصة باستغلال الموارد الطبيعية للبحر الأحمر لصالح جميع شعوب الدول الشاطئية وأمن منطقة البحر الأحمر

وتتضمن الفقرة التالية وصفا لدور المملكة العربية السعودية في هذه الاتصالات الدبلوماسية المتعلقة بأمن البحر الأحمر واستقراره:

كانت العربية السعودية هي القوة المحركة الرئيسة في جعل البحر الأحمر محور الاهتمام بين الدول العربية. وكانت جهودها جزءا من الدفعة العامة التي ترجع إلى أوائل السبعينيات والتي ترمي إلى حشد البلدان العربية الواقعة على طول الخليج الفارسي أولا، ثم الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، وأخيرا باقي الدول الشاطئية الواقعة على البحر الأحمر، حول العربية السعودية. وللحفاظ على طريقة العمل التي تتبعها السعودية فيما يتعلق بالأمور المتبادلة بين الدول العربية، رأى القادة السعوديون أفضلية العمل فيما وراء الستار قدر الإمكان، ساعين إلى إخفاء النصر الساحق لسياستهم الإقليمية خلف سلسلة من الاجتماعات الثنائية التي يتم تنظيمها مع كل دولة من الدول المجاورة وبين الدول الأخرى في شبه الجزيرة أو في منطقة البحر الأحمر. وقد تحققت الهيمنة السعودية على طول الشاطئ العربي للخليج الفارسي في المقام الأول في عامي 1971 و 1972.وأخذ النفوذ السعودي في اليمن الشمالية يتزايد منذ نهاية الحرب الأهلية هناك في عام 1970…. وفي عام 1976 بدأت المملكة العربية السعودية تنشط نحو اتباع أسلوب للتقارب مع اليمن الجنوبية مستخدمة الوعد بتقديم مساعدات اقتصادية كوسيلة رئيسية لخطب ود البلد الذي سلبت خيراته، وجعله يتبع سياسة أكثر ميلا إلى السعودية وأقل ميلا إلى السوفيات وإبداء مزيد من الاستعداد للتعايش مع عمان وقد تحسنت العلاقات الشاملة بدرجة كبيرة بحلول شهر مايو / آيار 1976 بحيث سمحت للعربية السعودية واليمن الجنوبية بإنشاء علاقات دبلوماسية للمرة الأولى منذ أن حصلت الأخيرة على استقلالها في عام 1967

غير أن جميع الجهود السالفة الذكر قد فشلت في وضع تنظيمات جماعية بشأن أمن دول البحر الأحمر الشاطئية. وترجع مسؤولية هذا الفشل إلى حالة القلق السائدة فيما بين الدول الشاطئية بسبب الخلافات على الحدود والانقسامات الأيديولوجية وإستراتيجية الدول العظمى في المنطقة. كذلك وقفت العوامل آنفة الذكر كعقبات في وجه إبرام اتفاق للأمن الجماعي في الخليج العربي. وقيل الانسحاب البريطاني من الخليج في عام 1971، كان هناك عدد من المنازعات المحلية بين الدول الشاطئية: النزاع بين العراق وإيران في شط العرب، مطالبة العراق بالكويت، عدم اعتراف إيران بسيادة البحرين، استمرار فتور علاقة المملكة العربية السعودية بأبو ظبي فيما يتعلق بواحة البوريمي، العلاقات القلقة بين الإمارات، والنزاع القائم بين الدول الشاطئية حول الجرف القاري.

ومن حسن الحظ أنه أمكن حل معظم هذه المشكلات. غير أن المشكلات المتبقية هي من الخطورة بحيث تضر بالأمن في منطقة البحر الأحمر في أي وقت وتؤدي إلى فشل الجهود الرامية إلى إنشاء حلف للأمن الجماعي بين الدول الشاطئية. كما تشمل هذه المشكلات النزاع بين العراق والكويت، واحتلال إيران لثلاث جزر عربية بالقرب من مصب مضيق هرموز ( أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى)، والخلافات الأيديولوجية في المنطقة. ومن ناحية أخرى لعب الوجود البحري للدول العظمى في منطقتي المحيط الهندي والبحر الأحمر (القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين والتسهيلات البحرية السوفياتية في أم قصر بالعراق ) دورا بالغ الأهمية في توسيع الفجوة بين الدول الشاطئية من أجل الإبقاء على نفوذها في واحدة من أكثر المناطق إستراتيجية في العالم. إذ لا يمكن لكل من الدولتين العظميين أن تحتمل أكثر من مجرد ترتيبات أمنية جماعية بين دول الخليج الشاطئية ليس في مقدورها أن تحد من تواجدها في المنطقة.

ومع ذلك، فعلى الرغم من أن الكتلتين المعتدلة والمتطرفة في الشرق الأوسط لا تودان أن تقوم القوتان العظميتان باستخدام منطقتي البحر الأحمر والخليج العربي كجزء من إستراتيجيتها، فإن كلا منهما لا ترغب في أن يضمحل نفوذ أي من القوتين العظميين لا سيما إذا أسفر ذلك عن تعزيز نفوذ القوة الأخرى. وبعبارة أخرى فإن الكتلة المعتدلة لا ترغب في أن يضمحل النفوذ الأمريكي ويحل محله النفوذ السوفيتي، كما أن الكتلة الراديكالية لا تود أن يتم تعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة على حساب النفوذ السوفيتي لسبب لا يخفى على أحد وهو أن هذا سوف يعني اختفاء واحدة من الكتلتين المحليتين في المنطقة.

وأخيرا فإن الخلافات الأيديولوجية والتنافس بين القوى المحلية في المنطقة هو آخر العقبات الرئيسية المتبقية أمام إبرام اتفاق للأمن الجماعي ليس بين دول الخليج الشاطئية فحسب ولكن بين دول البحر الأحمر الساحلية كذلك. وفيما يلي ما كتبه أحد الكتاب في هذا الشأن:

إن وضع التذبذب في العلاقات الإقليمية بين التنافس والتعاون، مع ماله من معان إضافية قومية وإيديولوجية، هو المسؤول في المقام الأول عن عدم وجود اتفاق للأمن في الخليج حتى يومنا هذا. لقد وقفت المسائل الرئيسية المتعلقة بتحديد الأسماء والهويات، على الدوام حجر عثرة في سبيل ذلك. مثال ذلك، من هو الخصم الحقيقي الذي ينبغي أن يبرم الحلف الإقليمي اتفاقا لمحاربته؟ هل هو التدخل الأجنبي، أو التخريب الداخلي، أو كلاهما؟ هل يعتبر الإبقاء على الوضع الراهن جزءا من هذا النظام الأمني؟ من هي الدولة أو الدول التي سيسمح لها بأن تلعب دور القوة الرئيسية ومن هي الدول التي ينبغي أن تكون على مستوى الشركاء الأقل منزلة؟ .

3) القانون الدولي وأمن الدول الشاطئية: تستطيع دولة شاطئية، طبقا للقانون الدولي، أن تتحكم دون سواها في بعض المناطق البحرية المجاورة مثل المنطقة الاقتصادية الخالصة، ومنطقة الصيد الخالصة، والجرف القاري لأغراض استكشاف مواردها الطبيعية واستغلالها. كذلك تستطيع دولة ساحلية أن تطالب ببعض المناطق القريبة من شواطئها أو أن تشارك في بعض الأنشطة من أجل كفالة أمنها. وإدراكا من المجتمع الدولي لإمكانية تعرض أية دولة ساحلية لهجوم من البحر، فقد اعترف بحق أية دولة ساحلية في تنظيم مداخلها أو الإشراف عليها. وفضلا عن ذلك، تستطيع الدولة الساحلية، بمقتضى القانون الدولي، أن تقوم بتحريم الأنشطة والإجراءات التي تضر بنظامها. وقد اعترف بهذا الحق القانون الدولي التقليدي والمعاصر على السواء. وهذا ما أوضحه ” فاتال ” في القانون الدولي التقليدي:

يجوز للدولة أن تستولي على تلك الأشياء التي قد تعود عليها بالضرر أو قد تشكل خطرا عليها إذا كانت متاحة للاستخدام الحر والمشاع….. ومن الأمور موضع الاهتمام بالنسبة لأمنها ورفاهيتها، ضرورة ألا تكون هناك حرية عامة للاقتراب بشدة من ممتلكاتها، خاصة بالنسبة للسفن الحربية، بحيث يعوق ذلك مرور السفن التجارية ويقلق حركة الملاحة… ويجوز لكل دولة أن تنظم على النحو الذي تراه ملائما استخدام تلك المياه فيما يتعلق بشؤون مواطنيها سواء فيما بين بعضهم البعض أو فيما بينهم وبين السلطة المعنية، إلا أن أهم قاعدة يمكن إرساؤها بين دولة وأخرى هي أن سيادة الدولة بوجه عام على المياه الشاطئية تمتد بالقدر الذي تحتمه ضرورة الحفاظ على سلامتها وبالقدر الذي يجعل من الممكن الإبقاء على فعالية هذه السيادة

ومن ناحية أخرى، فإن حق المرور البريء في المياه الإقليمية لدولة ساحلية لم يمنح دونما قيود معينة. وينص القانون الدولي المعاصر على أنه يمكن الإبقاء على المرور البريء “طالما لا يضر بسلام الدولة الساحلية أو بنظامها أو بأمنها. ويتم ذلك المرور تمشيا مع هذه المواد وسائر قواعد القانون الدولي” وفضلا عن ذلك يجوز للدولة أن توقف مؤقتا المرور البريء “إذا كان هذا الإيقاف ضروريا لحماية أمنها” ويجوز للدولة الساحلية أن تتخذ الخطوات الضرورية في بحرها الإقليمي لمنع المرور غير البريء

ونظرا لأن المملكة العربية السعودية دولة موسرة وتقع في أهم المناطق الإستراتيجية غير المستقرة، تجاورها أكثر من اثنتي عشرة دولة فقد أصبح أمنها مهدد. وهذا الوضع يجعلها عرضة لأن تتورط عسكريا في واحدة من مناطق النزاع الرئيسية الثلاث في الشرق الأوسط: الخليج العربي أو القرن الأفريقي أو النزاع العربي – الإسرائيلي. وكما رأينا سلفا، حاولت المملكة العربية السعودية معالجة مصالحها الأمنية عن طريق تطوير قواتها المسلحة والاشتراك في أنشطة دبلوماسية على الصعيد الإقليمي.

وفضلا عن ذلك، استغلت المملكة العربية السعودية القانون الدولي لحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية في البحار الملاصقة لحدودها. وقد تحقق ذلك عن طريق (1) سن القوانين التي تنص على سلطتها على بعض المناطق البحرية في البحر الأحمر والخليج العربي، و (2) عن طريق حل معظم خلافات الحدود مع الدول المجاورة الواقعة على هذه البحار بالطرق السلمية. مثال ذلك أن النزاع الذي ظل محل جدل لفترة طويلة والخاص بواحة البوريمي الغنية بالنفط قد تمت تسويته سليما في عام 1974.ورغم أن هذا النزاع ليس هو المشكلة الوحيدة التي سويت سلميا بين المملكة العربية السعودية وجاراتها، فقد أوضح تاهتينن Tahtinen الدافع وراء ذلك فيما يلي:

تعتبر الرياض أكثر بلدان الخليج اهتماما بالمحافظة على حالة الاستقرار، وبضرورة بقاء الإمارات الصغرى وسلطنة عمان دولا عربية تقليدية ومعتدلة نسبيا. ذلك أن انتشار أية أيديولوجية راديكالية أو ثورية في المنطقة من شأنه أن يزعج المملكة. وفيما يتعلق بواحة البوريمي الغنية بالنفط والمتنازع عليها، فقد أعربت المملكة العربية السعودية عن إيمانها بالإبقاء على استقرار المنطقة وتفضيلها للعلاقات الطيبة مع جيرانها وكراهيتها للأعمال العسكرية المباشرة بوجه عام، وتوصلت إلى اتفاق مع الإمارات العربية المتحدة وعمان.

ولكونها الدولة المهيمنة على المنطقة من بين الثلاث (الخليج الفارسي، القرن الأفريقي والساحة العربية الإسرائيلية) فربما كانت تأمل في أن تكون هذه التسوية مثلا يحتذى للدول العربية الأخرى لكي تتصالح مع بعضها البعض وتسعى من أجل التوصل إلى حل عادل لجميع الخلافات المعلقة

 

 

 

 

تطورات جديدة في المبادئ القانونية البحرية
طرأت على المبادئ البحرية على مر التاريخ تغييرات تجعلها تتمشى ومتطلبات المصالح البحرية للأمم والدول. وبناء على ذلك يمكن وصف قانون البحار بأنه تفاعل بين الدول البحرية التي تنتهج سياسات ترمي إلى تعزيز مصالحها القومية التي تتعرض هي الأخرى للتغيير بين الحين والآخر. ومن ثم فقد تغير مبدأ قانون البحار من بحر مغلق إلى بحر مفتوح، وتغير مرة أخرى إلى نظرية البحر المغلق.

وقد كانت نظرية البحر المغلق سائدة عندما مدت الدول والأمم سيادتها على البحار في نضالها من أجل مصالحها الخاصة. وبناء على ذلك، ظهر القانون نتيجة لعمليات التبادل التجاري بين الدول البحرية التي تتنافس مع بعضها البعض من أجل التحكم في البحار. فلقد ادعى الرومان والإسبان والبرتغاليون بأن لهم مطالب خاصة بالنسبة لبعض المناطق

وفي القرن السابع عشر، رأى هوجو جروتيوس Hugo Grotius، في دفاعه عن الهجمات الهولندية على السفن البرتغالية، أنه لا يحق لأية دولة أن تخضع البحار لسلطتها. وقال: “نظرا لأنه لا يمكن حيازة البحر شأنه شأن الهواء، فإنه ليس بإمكان أية دولة أن تضمه إلى ممتلكاتها” وفي السنوات التي أعقبت ذلك، أضاف جروتيوس أن مطالب السيادة على المياه الساحلية كانت لها مقوماتها لأنه من الممكن السيطرة عليها بالفعل. وقد أسفر هذا القول فيما بعد عن مفهوم البحار الإقليمية المحدودة والبحار العالية ذات الملكية المشاعة. وقد أطلق الدارسون القانونيون على هذا المفهوم اسم مبدأ حرية البحر. ونظرا لأن بريطانيا كانت أكبر دولة بحرية، فقد أيدت بحماسة مبدأ حرية البحر لسبب واضح هو أنها سوف تتمكن من حماية مصالحها بفضل تفوقها البحري. ومع التطور التدريجي للعرف، أصبحت حرية البحار تعني أن كل البحار، باستثناء البحر الإقليمي المحدد بثلاثة أميال والذي يخص الدولة الساحلية، تعتبر بحارا عالية ومباحة للجميع باستثناء القراصنة.

وقبل حلول القرن العشرين، كان الناس لا يستخدمون البحر إلا لأغراض الصيد والملاحة. غير أن اكتشاف موارد هامة في البحر في القرن العشرين أدى إلى زيادة استخدامات البحر زيادة كبيرة. وبناء على ذلك، أخذت المبادئ المقبولة لقانون البحار التقليدي تتلاشى. ونظرا لأن القانون العرفي يعتمد على النمو والإضافة البطيئين فإنه لا يستطيع أن يتحرك بالسرعة التي تكفي لتوفير الحلول للمشكلات الجديدة.

وقد بدأت نقطة التحول في مبدأ حرية البحر مع اكتشاف النفط في المناطق المغمورة القريبة من ساحل الولايات المتحدة في الثلاثينيات. ونتيجة لذلك، طالب الرئيس ترومان في 28 سبتمبر / أيلول 1945، من جانب واحد، بسلطة الولايات المتحدة المطلقة على الجرف القاري لأغراض استكشاف واستغلال الموارد المعدنية الموجودة تحت سطح الماء. وسرعان ما حذا حذو هذه السابقة كل من شيلي وأكوادور وبيرو التي قامت بمد ولايتها مسافة 200 ميل باعتبارها بحرا إقليميا

وقد انتشر إثر إعلان ترومان على نطاق واسع بحيث شمل العالم أجمع، واعتبرته كثير من الدول الساحلية بمثابة سابقة، ومن ثم أصدرت إعلانات مماثلة تؤكد ولايتها وسيطرتها على قاع البحار الملاصقة لسواحلها وباطن أرضها. وفي 28 مايو / آيار 1949، أصدرت المملكة العربية السعودية إعلانا أكدت عن طريقة ولايتها وسيطرتها على قاع وباطن أرض البحر الملاصق لساحلها في الخليج العربي وعلاوة على ذلك، أصدرت العربية السعودية في أول سبتمبر / أيلول 1968 مرسوما ملكيا ألحق بقانون يؤكد ملكيتها لموارد البحر الأحمر الطبيعية الملاصقة لشواطئها. وتشمل هذه الموارد تلك التي تمتد أسفل البحار العالية والملاصقة للجرف القاري للمملكة العربية السعودية

وقد أثارت حقوق الدول الساحلية التي تأكدت حديثا فيما يتعلق بالبحار الملاصقة لها، الحاجة إلى التوفيق بين هذه التطورات الجديدة والقانون الدولي. وقد بدأت هذه المحاولات عندما عقد مؤتمر الأمم المتحدة الأول، لقانون البحار في جنيف عام 1958.وتناول هذا المؤتمر مسألة تدوين قانون البحار وأسفر عن أربع اتفاقيات: اتفاقية البحر الإقليمي والمنطقة المجاورة، الاتفاقية المتعلقة بالصيد وحفظ الموارد الحية للبحار العالية، اتفاقية الجرف القاري، اتفاقية البحار العالية. وفي عام 1976، صدقت خمس وأربعون دولة على اتفاقية البحر الإقليمي والمنطقة المجاورة، بينما صدقت خمس وخمسون دولة على اتفاقية البحار العالية، وخمس وثلاثون دولة على اتفاقية الصيد، وثلاث وخمسون دولة على اتفاقية الجرف القاري

وتتعلق القضايا الرئيسية المتضمنة في قانون البحار بالمياه الداخلية، والبحر الإقليمي، والمنطقة المتاخمة، والجرف القاري، وقاع البحر، والبحار العالية. ويعتبر الموضوع الأخير من أهم القضايا المعروضة أمام مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لقانون البحار.

 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً